محمد جمال الدين القاسمي

312

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بعث ولا جزاء . ولئن كان ، فالأصنام شفعاؤكم . ولم يصرح ببطلانه لدلالة قوله : فَأَخْلَفْتُكُمْ عليه . والإخلاف مستعار لعدم تحقق ما أخبر به وكذبه ، أو مشاكلة . وفي الآية من الإيجاز البليغ شبه الاحتباك . حيث حذف أولا ( فوفى به ) لدلالة قوله بعد فَأَخْلَفْتُكُمْ عليه لأنه مقابله ، وحذف ثانيا ( وعد الباطل ) لدلالة وَعْدَ الْحَقِّ . وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي حجة وبرهان إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي : أسرعتم لطاعتي بمجرد ذلك ، أي وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به ، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه فَلا تَلُومُونِي أي : بوعدي إياكم ، إذ لم يكن بطرق القسر وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ أي : حيث استجبتم لي باختياركم ، حين دعوتكم بلا حجة ولا دليل . ولم تستجيبوا ربكم ، إذ دعاكم دعوة الحق المقرونة بالبراهين والحجج . قال القاشاني : لما ظهر سلطان الحق على شيطان الوهم وتنوّر بنوره ، أسلم وأطاع وصار محقّا عالما بأن الحجة للّه في دعوته للخلق إلى الحق ، لا له . ودعوته إلى الباطل بتسويل الحطام وتزيين الحياة الدنيا عليهم - واهية فارغة من الحجة . وأقرّ بأن وعده تعالى بالبقاء بعد خراب البدن والثواب والعقاب عند البعث ، حقّ قد وفي به . ووعدي بأن ليس إلّا الحياة الدنيا باطل اختلقته . فاستحقاق اللوم ليس إلّا لمن قبل الدعوة الخالية عن الحجة فاستجاب لها . وأعرض عن الدعوة المقرونة بالبرهان فلم يستجب لها . انتهى . وحكي في ( الإكليل ) عن ابن الفرس : أن بعضهم انتزع من هذا إبطال التقليد في الاعتقاد . قال : وهو انتزاع حسن . لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه ، ولم يطلبوا منه برهانا . فحكى اللّه تقبيحا لذلك الفعل منهم . انتهى . ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي : بمغيثكم ومنجيكم من العذاب وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي : مما أنا فيه . قال ابن الأعرابي : الصارخ : المستغيث ، والمصرخ : المغيث ، يقال : صرخ فلان إذا استغاث وقال : وا غوثاه ! وأصرخته أغثته . فالهمزة للسلب . يعني أزلت صراخه ، وهو مدّ الصوت . إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي : كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم - أي في الدنيا - يعني : جحدت أن أكون شريكا للّه عز وجلّ ، وتبرأت منه ومنكم فلم يبق بيني وبينكم علاقة كقوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [ فاطر : 14 ] ، وقوله : وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ